• أرسال بالبريد الالكتروني

الندوة العلمية "الشباب في مواجهة الفكر المتطرف"

 كلمة أ . د. عبدا لله سرور الزعبي
مدير عام صندوق دعم البحث العلمي
دولةَ الدكتورِ عبدِالرّؤوفِ الرّوابدة، رئيسِ مجلسِ الأعيان
أصحابَ المعالي والعطوفةَِ والسَّعادة
الحضورُ الكِرام
السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، وبعدُ
فاسمحوا لي –بدايةً- أنْ أُرحِّبَ بكمْ في هذا اليومِ المباركِ أجملَ ترحيبٍ؛ حيثًُ تغمرني السّعادةُ  الكاملةُ وأنا أرى هذهِ النُّخبةَ تلبّي الدّعوةَ إلى المشاركةِ في هذهِ النّدوةِ العلميّةِ الموسومةِ بـِ "الشبابُ في مواجهةِ الفِكرِ المتطرّف".
إنّ اجتماعَكُمْ هذا، وبرعايةٍ كريمةٍ مِنْ دولةِ رئيسِ مجلسِ الأعيانِ/ مجلسِ جلالةِ الملكِ المعظّمِ، يأتي في وقتٍ في غايةٍ الدِّقة؛ حيثُ التَّهديداتُ باتَتْ مُتكرِّرةً مِنَ الجُغرافيا المحيطةِ بنا، التي تفرضُ علينا أنْ تكونَ جاهزيَّتُنا في أعلى مستوياتِها لِحمايةِ الأردنّ وَطَنًا وشعبًا.
دولةَ راعي الحفل
الحضورُ الكِرامُ
لقدِ التقطَتْ إدارةُ الصُّندوقِ إشارةَ جلالةِ الملكِ عبدالله الثّاني ابنِ الحُسينِ في حديثهِ عنْ أنَّ آليَّةَ مُحاربةِ الإرهابِ والتَّطرُّفِ؛ إذْ قالَ –حَفِظَهُ اللهُ- في سياقِ كلمتِهِ إنَّ هذهِ الآليّةَ تمرُّ بثلاثِ مراحلَ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ وأيدولوجية، ممّا يفرضُ علينا  كمؤسّساتٍ وطنيّةٍ أنْ نبدأَ للتجهيزِ لِحَرْبٍ آيديولوجيّةٍ طويلةٍ تَهْدِفُ إلى معالجةِ ظاهرةِ التَّطرُّفِ، التي تُعَدُّ مُعَقَّدَةَ التَّركيبِ مِنْ حيثُ تداخلُ عناصرِها وتشابُكُ جذورِها وكبيرُ أثرِها في الأمنِ الوَطَنِيِّ وَمُستقبلِ الأُمَّة.
تأسيسًا عليه، فقدْ عَمِلَ صندوقُ دعمِ البحثِ العلميِّ مِنْ مُنْطلقِ حِرصِهِ على المُشاركةِ في إيجادِ حُلولٍ للمُشكلاتِ التي تواجهُ أمْنِنا الوطنيَّ وتهدِّدُهُ على دعمِ دراساتٍ، منها على سبيلِ المثالِ: منهجُ استخدامِ تدريسِ الفقهِ وأصوله في مقاومةِ الإرهابِ- حالةٌ دراسيّةٌ/ كليّةُ الشَّريعةِ بالجامعةِ الأردنيّة، كما عَمِلَ على عقدِ اجتماعاتِ عَصْفٍ ذِهنيٍّ منذُ شهرِ أيلولَ عامِ 2014؛ بُغْيَةَ وضعِ إطارٍ لإجراءِ دراسةٍ تكامُليَّةٍ تُعنى بِوَصْفِ الحالةِ وتوضيحِها على نحوٍ كامل وَتَجْلِيَةِ أبعادِها، الأمرُ الذي سَيَنْجُمُ عنهُ فهمٌ شاملٌ وتفسيرٌ دقيقٌ للمعلوماتِ التي تَصِلُ بنا إلى التَّوجيهِ الشّافي، بِحَيْثُ تُوْضَعُ خططٌ تنفيذيّةٌ واضحةُ المَعالِمِ تُبْعِدُنا عَنْ أنْ نكونَ أسرًى لِرُدودِ أفعالٍ قدْ تكونُ متناقِضَة.
انطلاقًا ممّا سَلَف، فإنه لا بدَّ مِنْ وضعِ الخططِ  لِمعالجةِ شتّى أنواعِ التَّطرُّفِ (سواءً اتَّخَذَ الطّابعَ الدّينيَّ أوِ السّياسيِّ أوِ التّربويِّ التّعليميِّ أوِ الاجتماعيِّ الأُسَرِيِّ أوِ الإعلاميِّ وغيرِها).
دولةَ راعي الحفل
الحضورُ الكِرامُ
إنَّ ظهورَ مجموعاتٍ فِي العصرِ الحديثِ تدَّعي الدّينَ وتنسبُ نفسَها إليهِ، سبقَ وأنْ نبذَتْها المجتمعاتُ العربيّةُ الإسلاميّةُ والأوروبيّةُ المسيحيّةُ قبلَ قرونٍ عدَّةٍ لعدمِ قدرتِها على محاكاةِ العقلِ البشريّ، ثُمَّ أنْ تبني هذهِ المجموعاتُ فِكْرًا مُشَوَّهًا يعزوه بعضُهُمْ إلى وجودِ مؤامرةٍ على منطقتِنا، مُتَناسينَ أنَّهُ ما لمْ تَكُنْ هناكَ بيئةٌ خصبةٌ قابلةٌ لاحتضانِ هذهِ المؤامرةِ المُفترضةِ وتنفيذِ مُخَطّطاتِها التّآمريّةِ إنْ وٌجِدَتْ لَما كانَ لها أيُّ حّظٍّ مِنَ النّجاح.
إنّنا في الوطنِ العربيِ نعيشُ أزمةَ عقلٍ حقيقيّةٍ؛ حيثُ عَجِزْنا عَنْ تقديمِ الابتكاراتِ والاكتشافاتِ، وفشِلْنا في تقديمِ الحُلولِ الناجعةِ على الرّغمِ مِنْ أنّنا كُنّا الرُّوّادَ في ذلك، ممَا جَعَلَنا أقْرِبَ إلى التَّخَلُّفِ في المجالاتِ المعرفيّةِ التي أثَّرَتْ سَلْبًا في قوَّةِ الأُمّةِ الإستراتيجية. غيرَ أنّنا فِي الأردنِّ نَعْمَلُ جادّينَ على بناءِ إستراتيجيتنا المُفْتَقِرَةِ إلى المواردِ الطبيعيّةِ والبعيدةِ كُلَّ البُعْدِ عَنِ التّغييرِ الجُغرافيّ، تلكَ الإستراتيجية التي نعتمدُ فيها على العُنْصِرِ البّشريِّ، الذي نسعى إلى الاستثمارِ فيهِ تربويًّا وتعليميًّا لِيُصارَ إلى استِثْمارِهِ على نحوٍ حَسَنٍ وتوجيهِهِ لتحقيقِ مصالحِ الأُمّةِ والوطن.
أيُّها الحضورُ الكِرامُ، لقدْ تعلَّمْنا على يَدِ أساتِذَتِنا الذينَ نُجِلُّهُمْ ونحترِمُهُمْ أنَّ الكُفْرَ هُوَ إنكارُ العقلِ والقلبِ وَجَحْدُ التّصديقِ باللهِ وملائكتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليومِ الآخرِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه، وَمِنْ ثَمَّ فإنَّ فهمِيَ مُنْطَلِقٌ مِنْ مبدأ عدمِ جوازِ التَّكفيرِ كقاعدةٍ شرعيّةٍ لأيِّ مسلمٍ حتّى في ظِلِّ ارتكابِ الذُّنوبِ التي قدْ تَصِلُ إلى حَدِّ الكَبائر، ما لَمْ يَنْقَضَّ الإسلامُ بِجُمْلَتِه.
وعليه، فإنَّهُ يَتَرَتَّبُ علينا إعدادُ برامجَ تعليميّةٍ وبناءُ مناهجَ تدريسيّةٍ بُغْيَةَ تَصحيحِ المفاهيمِ التي أصبحتْ منتشرةً زُورًا وَبُهتانًا عَنِ دينِنا وَثقافَتِنا، تلكَ المفاهيمُ الباطِلَةُ التي تَتَّهِمُنا بالعنفِ وَتَسِمُنا بالتَّطرُّفِ عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا عَبْرَ التّاريخ، على الرّغم مِنْ ماضينا التَّليدِ الذي يَشْهَدُ لنا بأنّنا كُنّا منارةً للعلمِ والعقلِ المُتَفَتِّحِ، فضلاً عَنْ حاضِرِنا المُشْرِقِ مُمَثَّلاً بالقيادةِ الهاشميّةِ، التي ما انْفَكَّتْ أينما حَلَّتْ تدعو إلى نَبْذِ العنفِ والتَّطرُّفِ ومحاربةِ الفِكرِ التَّكفيريِّ، تارِكَةً بذلكَ بَصَماتٍ لا تَمَّحي أبَدَ الدَّهر.
وفي هذا السياق، فإنَّهُ لا بُدَّ لَنا مِنَ الإشارةِ إلى أنَّ الإسلامَ قَدِ انْفتحَ على الحضاراتِ والدّياناتِ الأخرى منذُ نشأتِهِ الأولى، ليسَ فقطْ فِي العَيْشِ المُشتركِ بلْ عَنْ طريقِ إقامةِ الرَّوابطِ الأسرية وبناءِ العَلاقاتِ الاجتماعيّةِ والاقتصاديِةِ وَفْقَ مبادئِ التَّعاوُنِ على البِرِّ وَالتَّقوى، والمواجَهَةِ المُشتركَةِ للإثْمِ وَالعُدوان، والحفاظِ على إرْثِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والشُّعوبِ السّابقةِ الدّينيِّ والحَضاريِّ، لا تدميرِهِ وتحطيمِهِ كما حَصَلَ في أفغانستانَ ومِثلَما هُوَ حاصِلٌ في مُتحفِ نينوى فِي الْمَوْصِل. وهذا تؤكِّدُهُ وَحْدَةُ النَّسيجِ المُجْتَمَعِيِّ والحّضاريِّ للأُمَّةِ العربيَّةِ  الإسلاميَّةِ، الذي يَتَجَلّى في تعزيزِ دَوْرِ المُواطنةِ الحَقَّة.
مِنْ هنا، نجدُ أنّنا في أمَسِّ الحاجةِ إلى مُعالجةِ بعضِ المفاهيمِ التَّربويّةِ الآخِذَةِ فِي الانتشارِ لدى بعضٍ مِنَ الشَّبابِ، مِنْ حيثُ قَبولُ الفتاوى الشّاذَةِ التي تُقَوِّضُ بُنْيانَ المجتمع.
دولةَ راعي الحفل
الحضورُ الكِرامُ
لقدْ نجحَ دُعاةُ الفِكْرِ المُتَطَرِّفِ إلى بناءِ منظومَةٍ إعلاميّةٍ قائمَةٍ على التِّكنولوجيا المُتَطَوِّرَةِ، بَهَدَفِ نَشْرِ أفكارِهِمْ وَالتَّسويقِ لها، في حينِ أنَّنا أغفلنا عناصِرَ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ منذُ البدايةِ، حتّى إنَّ تأثيرَها ظَهَرَ في ما يُسَمّى بالثوراتِ العربيّة.
ونحنُ فِي الأردنِّ، يَنْبَغي لَنا استغلالُ الوسائلَ الإعلاميّةَ المختلفةَ ووسائلَ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ لِنَشْرِ ما نؤمِنُ بِهِ، مُنْطَلِقينَ في ذلكَ مِنْ أنَّ الحِوارَ الهادئَ  بينَ مُكَوِّناتِ المجتمعِ كافّةً هيَ الأساسُ؛ خوفًا منْ أنْ يتحوَّلَ بعضُ مَنْ لديهمْ ميولٌ تطرفيّةٌ إلى حالةِ التَّعَصُّبِ التي تؤدّي بهمْ إلى الخروجِ عَنِ القِيَمِ والثَّوابِتِ والقوانينِ النّاظمةِ للحياةِ الاجتماعيّة، وَهُنا يجبُ أنْ نَدْعَمَ بقوّةٍ الجامعةَ الأردنيّةَ في مُعالجةِ ما دَعَتْ إليهِ مجموعةٌ مِنْ طالباتِها في ما يتعلّقُ بممارسةِ أحدِ أشكالِ التَّطرُّفِ ضِدَّ زملائِهم.
إنَّ الأردنَّ -أيُّها الحفلُ الكريمُ- بِوَصْفِهِ وريثًا للنَّهضةِ العربيّةِ الكُبرى اختارَ لجيشِهِ شِعارَ الجيشِ العربيِّ منذُ ما يقارِبُ القرنَ مِنَ الزّمن، وتحمَّلَ ما لَمْ يَتَحَمَّلْهُ غيرُهُ فَي التّاريخَ الحديثِ مِنَ الهِجْراتِ المُتَكَرِّرَةِ، التي استطاعَ أنْ يُحَوِّلَها إلى قوّةٍ بحيثُ جَعَلَتْ منهُ وطنًا للأُمَّةِ وَملاذًا لأبنائِها.
وعليه، فإنَّ مثلَ هذا الوضعِ فرضَ عليهِ بناءَ إستراتيجية دفاعيّةٍ تختلفُ عَنْ غيرِها مِنَ استراتيجيّاتِ الدُّوَلِ العربيّةِ والإسلاميّةِ الأخرى المُحيطةِ بنا، فَدِفاعُنا عَنْ أمْنِ وَطنِنا وَمُواطِنينا يجبُ ألا يقتصِرَ على الحدودِ القانونيّةِ للدَّولةِ الأردنيّة.
مِنْ هُنا، فإنَّ الأردنَّ قَدَّمَ الشّهيدَ تِلْوَ الآخرِ، بَدْءًا بالشّهيدِ البطلِ كايد عبيدات، أوّلِ شهيدٍ أردنيٍّ روّى ترابَ فِلَسْطينَ العربيّةِ، وَانْتِهاءً بالشّهيدِ البطلِ الطّيّارِ معاذ الكساسبة، الذي قضى مُدافِعًا عَنِ المَجالِ الحَيَوِيِّ الأمْنِيِّ للوطن، وسيبقى الأردنُّ كذلكَ لِحمايةِ أمنِهِ وَمُواطِنيهِ ومَجالِهِ الجيوسياسيّ.
دولة راعي الحفل
الحضورُ الكِرامُ
إنَّنا فِي الأردنِّ قيادةً وشعبًا ضَرَبْنا أروعَ الأمثلةِ التي أثارَتْ دَهْشَةَ الجميعِ وحازتْ على إعجابِهِمْ في قوّةِ  ترابُطِنا وصدقِ المحافظةِ على وَحْدَتِنا لِحمايةِ وطنٍ آمَنّا بِهِ وبقيادَتِه. لقدْ راهنَ بعضُهُمْ على انتهاءِ الأردنِّ بعدَ حربِ 1948، إلا أنَّهُ أصبحَ مَمْلَكَةً، وتجاوزْنا أزماتِ خمسينيّاتِ القرنِ الماضي، كما أعتقدَ الجميعُ أنَّ الأردنَّ انتهى بعدَ حربِ 1967، غيرَ أنَّهُ استطاعَ تحويلَ الهزيمةِ المشتركةِ إلى نَصْرٍ على المُعتدي وَحْدَهُ في أقلَّ مِنْ سنةٍ في معركةِ الكرامةِ التّاريخيّة الخالِدة.
إنَّ الإجماع الوطنيَّ والالتفافَ حولَ القيادةِ الهاشميّةِ عبرَ العقودِ الماضيةِ غيرُ مسبوقٍ في الدولِ العربيّةِ الإسلاميّةِ، ممّا يُؤَهِّلُ الأردنَّ أكثرَ منْ أيِّ وقتٍ مضى للعملِ على بلورَةِ مرجعيّةٍ دينيّةٍ يَتَّفِقُ عليها علماءُ الأمَّةِ لإصدارِ الفتاوى المُستندَةِ إلى مفاهيمِ الإسلام السَّمْحَة، التي تُحاكي العقلّ البّشريَّ في عصرِ التِّكنولوجيا غيرِ التَّقليديّةِ، مُعتمدينَ على ما أُنْجِزَ وَتَحَقَّقَ في رسالةِ عمّان.
وأخيرًا، اسمحوا لي أنْ أذّكِّرَكُمْ بالمنهجِ القرآنيِّ لمبدأ الحوارِ؛ حيثُ قالَ تعالى: "ادْعُ إلى سبيلِ ربِّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلْهُمْ بالتي هيَ أحْسَنُ إنَّ ربَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سبيلِهِ وَهُوَ أعْلَمُ بالمهتدين".  "سورة النَّحل".
كما أذكّرَكُمْ في السياقِ نفسَهِ بمقولةِ معاويةَ بنِ هشامِ بنِ عبد الملك: "ما هُزِمَ قومٌ بقوةِ خَصْمِهِمْ بَلْ بِكَثْرَةِ أخطائهِمْ وَضَعْفِ أنفُسِهِم".
وَخِتامًا، أرجو أنْ تسمحَ لي دولتُكُمْ بالإعلانِ عَنْ بَدْءِ صُندوقِ دعمِ البحثِ العلميِّ باستقبالِ طلباتِ المُنافسةِ على جائزةِ الصُّندوقِ لأفْضَلِ بحثٍ في مواجهةِ الفِكْرِ المُتَطَرِّف، اعتبارًا مِنَ اليومِ وحتّى تاريخِ 31/3/2015.
والسّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه